الخطيب الشربيني
397
مغني المحتاج
الهبة ، وبالحياة الوصية لأن التمليك فيها إنما يتم بالقبول وهو بعد الموت ، وبالتطوع الواجب من زكاة وكفارة ونحوهما . وكان الأولى في تعريف الهبة كما في الحاوي الصغير : الهبة تمليك إلخ ، فإن الهبة هي المحدث عنها . فإن قيل : يرد على حصر الهبة في التمليك ما لو أهدى إلى غني من لحم أضحية أو هدي أو عقيقة فإنه هبة ولا تمليك فيه ، وما لو وقف شيئا فإنه تمليك بلا عوض وليس بهبة . أجيب عن الأول بمنع أنه لا تمليك فيه ، بل فيه تمليك ، لكن يمنع من التصرف فيه بالبيع ونحوه كما يعلم من باب الأضحية ، وعن الثاني بأنه تمليك منفعة ، وإطلاقهم التمليك إنما يريدون به الأعيان . تنبيه : قضية كلامه أن الهبة بثواب لا يطلق عليها اسم الهبة لوجود الأعيان العوضية ، وبه صرح الزبيري . ثم قسم التمليك المذكور إلى الصدقة والهدية بقوله : ( فإن ملك ) بلا عوض ( محتاجا ) شيئا ( لثواب الآخرة ) أي لأجلها ، ( فصدقة ) أي فلا بد من اجتماع الامرين . والتحقيق كما قال السبكي أخذا من كلام المجموع وغيره أن الحاجة غير معتبرة ، قال السبكي : فينبغي أن يقتصر على أحد الامرين : إما الحاجة أو قصد ثواب الآخرة ، فإن الصدقة على الغنى جائزة ، ويثاب عليها إذا قصد القربة ، فخرج بذلك ما لو ملك غنيا من غير قصد ثوب الآخرة . ( فإن نقله ) بنفسه أو بغيره مع قصد الثواب ( إلى مكان الموهوب له إكراما له فهدية ) أيضا ، أو بدون قصد الثواب فهدية فقط ، ولهذا قال في المحرر : وإن نقله ، بالواو ، وهي أولى ، فإن الفاء توهم لولا ما قدرته أن الهدية قسم من الصدقة وليس مرادا ، بل هي قسيمها . وإذا انضم إلى تمليك المحتاج بقصد ثواب الآخرة النقل إلى مكانه فتكون هدية وصدقة ، وقد تجتمع الأنواع الثلاثة فيما لو ملك محتاجا لثواب الآخرة بلا عوض ونقله إليه إكراما بإيجاب وقبول . قال السبكي : والظاهر أن الاكرام ليس شرطا فالشرط هو النقل . قال الزركشي : وقد يقال احترز به عن الرشوة ، ولا يقع اسم الهدية على العقار . فإن قيل قد صرحوا في باب النذر أن الشخص لو قال : لله علي أن أهدي هذا البيت مثلا صح وباعه ونقل ثمنه . أجيب بأنهم توسعوا فيه بتخصيصه بالاهداء إلى فقراء الحرم وتعميمه في المنقول وغيره . وأما تعريفها بالمعنى الثاني ، وهو المراد عند الاطلاق ، فأركانها ثلاثة : عاقد وصيغة وموهوب . وقد أخذ المصنف في بيان بعض ذلك فقال : ( وشرط الهبة ) لتتحقق عاقدان كالبيع ، وهذا هو الركن الأول ، ولهما شروط ، فيشترط في الواهب الملك وإطلاق التصرف في ماله ، فلا تصح من ولي في مال محجورة ولا من مكاتب بغير إذن سيده . ويشترط في الموهوب له أن يكون فيه أهلية الملك لما يوهب له من تكليف وغيره ، وسيأتي أن غير المكلف يقبل له وليه فلا تصح لحمل ولا لبهيمة ولا لرقيق نفسه ، فإن أطلق الهبة له فهي لسيده . و ( إيجاب وقبول لفظا ) من الناطق مع التواصل المعتاد كالبيع ، وهذا هو الركن الثاني . ومن صريح الايجاب : وهبتك ومنحتك وملكتك بلا ثمن ، ومن صريح القبول : قبلت ورضيت . ويستثنى من اعتبارهما مسائل : منها الهبة الضمنية كأن يقول لغيره : أعتق عبدك عني ففعل فيدخل في ملكه هبة ويعتق عليه ولا يحتاج للقبول . ومنها ما يخلعه السلطان على الامراء والقضاة وغيرهم لا يشترط فيه القبول كما بحثه بعض المتأخرين لجريان العادة بذلك . ومنها ما لو وهبت المرأة نوبتها من ضرتها لم يحتج لقبولها على الصحيح كما سيأتي إن شاء الله تعالى في القسم والنشوز . ومنها ما لو اشترى حليا لولده الصغير وزينه به فإنه يكون تمليكا له بخلاف ما لو اشتراه لزوجته فإنه لا يصير ملكا لها كما قاله القفال ، والفرق بينهما أن له ولاية على الصغير بخلاف الزوجة ، كذا ذكره السبكي وتبعه ابن الملقن . ويرد هذا قول الشيخين وغيرهما ، فإن وهب للصغير ونحوه ولي غير الأب والجد قبل له الحاكم ، وإن كان أبا أو جدا تولى الطرفين فلا بد من الايجاب والقبول . ومنها ما لو قال : اشتري لي بدراهمك لحما فاشتراه ، وصححناه للسائل ، فإن الدراهم تكون هبة لا قرضا . ويقبل الهبة للصغير ونحوه ممن ليس أهلا للقبول الولي ، فإن لم يقبل انعزل الوصي ومثله القيم وأثما لتركهما الاحظ ، بخلاف الأب والجد لكمال شفقتهما . ويقبلها السفيه نفسه وكذا الرقيق لا سيده وإن وقعت له ، أما الأخرس فيكفيه الإشارة المفهمة . وفي الذخائر أن انعقاد الهبة بالكناية مع النية وبالاستيجاب على الخلاف في البيع ، أي فتصح . ومن الكناية